أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
491
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
251 - لا يعلم قدر أنوار القلوب والأسرار إلا في غيب الملكوت ، كما لا تظهر أنوار السماء إلا في شهادة الملك . قلت : اعلم أن الناس كلهم عندهم النور في قلوبهم ، بدليل قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « كلّ مولود يولد على الفطرة « 1 » » : أي على أصل النشأة الأولية ، وهي القبضة النورانية ، وقال تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور 35 ] ، قال أهل تفسير الظاهر : أي نور أهل السماوات والأرض ، وهو عام في كل موجود فيهما ، فقد تحقق أن النور سار في الجميع ، فمن الناس من حجب عن هذا النور وعمي عنه ، وهو من وقف مع ظاهر الملك وهو قشر الكون وحسه الظاهر ، ويسمى عالم الأشباح ولم ينفذ إلى باطنه وهو الملكوت ، ويسمي عالم الأرواح ، فهذا محجوب عن نوره الباطني لا يرى إلا النور الحسي ، لأنه مسجون في سجن الأكوان محصور في ظلمة الحس والوهم ، ومن الناس من نفذت بصيرته إلى شهود النور الباطني فيه ، ولم يقف مع القشر ، بل نفذ إلى شهود اللب ، وهو نور الملكوت وأسرار الجبروت ، وهو الذي أشار إليه في المباحث بقوله : مهما تعديت عن الأجسام * أبصرت نور الحقّ ذا ابتسام هذا النور أيضا الذي تراه قلوب العارفين دون الغافلين ، كما أشار إليه الحلاج بقوله : قلوب العارفين لها عيون * ترى ما لا يرى للناظرينا فإذا تحققت هذا علمت أنه لا يعلم بالبناء للمفعول : أي لا يظهر قدر أنوار القلوب الغيبية وشرفها ، وأنوار الأسرار القدسية وكمالها إلا في غيب الملكوت والجبروت ، فأنوار القلوب لا يعلم قدرها إلا في غيب الملكوت ، وهي الأنوار المتدفقة من بحار الجبروت ، فمن لم ينفذ إلى شهود الملكوت لم يعلم قدرها ، بل لم يعرفها أصلا ، وأنوار الأسرار لا يعلم قدرها إلا في غيب الجبروت وهي الأنوار الأصلية الأزلية ، وهو ما لم يدخل عالم التكوين ، فمن كان محجوبا في عالم الملك لا يعلم قدر أنوار الملكوت ولا يحس بها ، بل ينكرها كما شهدناه ممن يدعي الخصوصية
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 456 ) ، ومسلم ( 4 / 2047 ) .